ابن الجوزي
226
صيد الخاطر
الفضائل ، ويحصّل الرذائل ، وسببه عدم النظر في العواقب . وهذا شغل العقل ، وذاك المذموم شغل الهوى . نسأل اللّه عز وجل يقظة ترينا العواقب ، وتكشف لنا الفضائل والمعايب ، انه قادر على ذلك . 177 - المؤلف ذو همة عالية خلقت لي همة عالية تطلب الغايات ، فعلت السن وما بلغت ما أملت ، فأخذت أسأل تطويل العمر ، وتقوية البدن ، وبلوغ الآمال ، فأنكرت عليّ العادات وقالت : ما جرت عادة بما تطلب . فقلت : إنما أطلب من قادر يخرق العادات ، وقد قيل لرجل : لنا حويجة . فقال : اطلبوا لها رجيلا . وقيل لآخر : جئناك في حاجة لا ترزؤك . فقال : هلا طلبتم لها سفاسف الناس . فإذا كان أهل الأنفة من أرباب الدنيا يقولون هذا فلم لا نطمع في فضل كريم قادر . وقد سألته هذا السؤال في ربيع الآخر من سنة خمس وسبعين فإن مدّ لي أجل « 1 » وبلغت ما أملته نقلت هذا الفصل إلى ما بعد وبيضته ، وأخبرت ببلوغ آمالي ، وان لم يتفق ذلك فسيدي أعلم بالمصالح ، فإنه لا يمنع بخلا ، ولا حول إلا به . 178 - الرياء في العبادة ما أقل من يعمل للّه تعالى خالصا لأن أكثر الناس يحبون ظهور عباداتهم . وسفيان الثوري كان يقول : لا أعتد بما ظهر من عملي . وكانوا يسترون أنفسهم . واليوم ثياب القوم تشهرهم . وقد كان أيوب السختياني « 2 » يطوّل قميصه حتى يقع على قدميه ، ويقول : كانت الشهرة في التطويل ، واليوم الشهرة في التقصير . فاعلم أن ترك النظر إلى الخلق ، ومحو الجاه من قلوبهم بالتعمل واخلاص القصد وستر الحال ، هو الذي رفع من رفع . فقد كان أحمد بن حنبل يمشي حافيا في وقت ويحمل نعليه في يديه ويخرج للّقاط . وبشر يمشي حافيا على الدوام وحده . ومعروف يلتقط النوى « 3 » .
--> ( 1 ) عاش بعد ذلك ثنتين وعشرين سنة . ( 2 ) فقيه زاهد محدث جمع الفضائل توفي سنة 131 . ( 3 ) وكان الشيخ عبد الحكيم الأفغاني يمتنع عن أموال الامراء والأغنياء ، فإذا احتاج تنكر وخرج إلى بساتين الغوطة فاشتغل « فاعلا » .